الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

556

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى المدينة من الكوفة ، فلقيت عائشة فأخبرتها أنّها باعت من زيد بن أرقم في الكوفة جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء ، ثم إنّ زيدا باع الجارية فاشترتها العالية منه بستمائة نقدا ، فقالت لها عائشة : « بئسما شريت وما اشتريت ، أبلغي زيدا أنّه قد أبطل جهاده مع رسول اللّه إلّا أن يتوب » ، قالت : فقلت لها : « أرأيت أن لم آخذ إلّا رأس مالي » قالت : « فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف » فجعلته عائشة من الربا ولذلك تلت الآية . فلأجل هذه الأحاديث الستة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للربا في اصطلاح الشرع : الأول ربا الجاهلية وهو زيادة على الدين لأجل التأخير . الثاني ربا الفضل وهو زيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وعبادة بن الصامت . الثالث ربا النسيئة وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخّرا . وزاد المالكية نوعا رابعا : وهو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيّل على الربا ، وترجمه في المدوّنة ببيوع الآجال ، ودليل مالك فيه حديث العالية . ومن العلماء من زعم أنّ لفظ الربا يشمل كل بيع فاسد أخذا من حديث في تحريم تجارة الخمر ، وإليه مال ابن العربي . وعندي أنّ أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس ، وأنّ أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة « إنّما الربا في النسيئة » ليجمع بين الحديثين ، وتسمية التفاضل بالربا في حديثي أبي سعيد وعبادة بن الصامت دليل على ما قلناه ، وأنّ ما راعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى تعامل الربا إن صدر من مواقع التهمة رعي حسن ، وما عداه إغراق في الاحتياط ، وقد يؤخذ من بعض أقوال مالك في « الموطأ » وغيره أنّ انتفاء التهمة لا يبطل العقد . ولا متمسّك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم لأنّ المسلمين في أمرهم الأول كانوا قريبي عهد بربا الجاهلية ، فكان حالهم مقتضيا لسدّ الذرائع . وفي « تفسير القرطبي » : كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أنّ النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة متفاضلا إنّما ورد في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر ولا في المصوغ ، فروى مسلم عن عبادة بن الصامت قال : غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية من ذهب ، فأمر معاوية رجالا ببيعها في أعطيات الناس ، فتنازع الناس في ذلك ، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت فقام فقال : « سمعت